منطقة إعلانية



منطقة إعلانية






مدحت نافع يكتب: تبعات اقتصادية للأزمة القطرية


منذ أن بدأت دول الخليج الثلاث ومعها مصر قطعاً للعلاقات الدبلوماسية مع قطر، ووقفاً لحركة النقل الجوى، وغلقاً للحدود البرية الوحيدة مع المملكة السعودية.. صرّحت حينها بأن التداعيات الاقتصادية لتلك المقاطعة على مصر متوقفة على طول فترة المقاطعة، وترتيبات احتواء تبعاتها مع الدول، التى أقدمت عليها، وتأثيرها على العمالة المصرية فى قطر، وعلى تحويلات العاملين من النقد الأجنبى..وبنظرة أشمل فإن التداعيات الاقتصادية على دول الخليج لا تشذ كثيراً عن ملاحظتى الأولى. فعلى الرغم من تراجع حجم الاستثمارات والتجارة البينية العربية، فإن طول فترة المقاطعة سيكون عنصراً مهماً إذا ما استمرت على هذا النحو ولم تنحسر إلى مجرد سحب شكلى للسفراء كما سبق أن حدث فى عام 2014 وامتد لفترة ثمانية أشهر. أكبر المتضررين من الأزمة قطاعا النقل والتجارة بإمارة قطر، وانضم إليهما قطاع الخدمات المالية وقطاع الصناعة.
الخطوط الجوية القطرية من أكبر الشركات المساهمة فى الناتج المحلى الإجمالى القطرى، ومن المؤكد أن منع الطيران القطرى فى دول المقاطعة سيترتب عليه تغييراً كبيراً فى مسارات الرحلات، وتراجعاً فى نقل ركاب دول الخليج، ومن ثم زيادة فى تكلفة رحلات الشركة وتراجعاً فى تنافسيتها إقليمياً وعالمياً. هذا القطاع أيضاً من شأنه أن يتضرر فى دول أخرى مثل الإمارات، ذلك أن كلاً من دبى وأبوظبى والدوحة قد باتوا يشكلون معاً مركزاً إقليمياً كبيراً لحركة النقل، ومن ثم فإن الارتباك الراهن كلما امتدت فترته واتسعت رقعته من المنتظر أن يعود بالتبعات السلبية على البلدين بشكل كبير. التجارة بصفة عامة سوف تتأثر فى دول الخليج، وقد بدت بشائر التأثر فى اليوم الأول للمقاطعة فى صورة تهافت للسكان فى قطر على السلع التموينية، خشية تضرر تجارة التجزئة بشكل كبير بعد غلق الحدود البرية، علماً بأن البديل البحرى ربما أخذ وقتاً ليعوّض النقص الناشئ عن غلق المنفذ البرى الوحيد.
أما الصناعة فمن التوقّع أن تتضرر نتيجة غلق محتمل لبعض المصانع المخصصة لإنتاج سلع للتصدير لدول المقاطعة، هنا يكون الأثر السلبى على ميزان التجارة القطرى أكبر من مجرد خصم فى التجارة البينية للدول المعنية، لأن جانباً من منتجات تلك المصانع المهددة بالإغلاق يخصص للتصدير لدول أخرى فضلاً عن الاستهلاك المحلى.
الأثر على أسعار النفط ومشتقاته لا أتوقع أن يكون كبيراً، فالدول المنتجة تعانى بالفعل من فائض فى المعروض، فأى تراجع قد ينشأ عن اضطراب حركة الإنتاج والتصدير نتيجة للأزمة القطرية، سوف يتم تعويضه سريعاً فى إطار تفاهمات أوبك الأخيرة لحجم المعروض النفطى فى الأسواق.
البنوك لم تشهد هلعاً فى الداخل القطرى، فالاحتياطى من النقد الأجنبى كبير يقترب من احتياطى المملكة العربية السعودية، والدولة تحتل المركز الأول من حيث نصيب الفرد من الناتج المحلى الإجمالى بعدد محدود من المواطنين وموازنة عامة عالية الكفاءة، لكن بورصة الأوراق المالية بالدوحة شهدت مؤشراتها تراجعاً حاداً صبيحة قرار المقاطعة بلغ 7.6%، وإن كانت موجة التراجع قد هدأت قليلاً فى جلسة اليوم التالى ليتراجع المؤشر الرئيس بنحو 1.6% فقط، وهذا يعد تصويت بالقلق من قبل المستثمرين الذين يترقبون لتداعيات تلك المقاطعة بالتحليل على مدار الساعة.
التجارة الخليجية البينية لا تمثّل جانباً كبيراً من موازين التجارة فى دول الخليج ومعها مصر، بل إنه من المؤسف أن التجارة العربية البينية ضعيفة بشكل عام، وحتى التجارة بين دول مجلس التعاون الخليجى وإن كانت أفضل نسبياً فى سياق المشهد العربى الكلى، لكنها رهن بهيكل الاقتصاد الخليجى الذى يعتمد على إنتاج النفط الخام ومشتقاته وتصدير تلك المنتجات إلى أوروبا بشكل خاص. أكبر الشركاء التجاريين لقطر من الدول العربية هى دولة الإمارات التى تحتل المركز «الخامس» بين شركاء قطر التجاريين على مستوى العالم!
لكن استمرار التضييق الخليجى على قطر ربما تكون تداعياته الأمنية أخطر على مجلس التعاون، خاصة إذا أسفر عن ارتماء كامل فى أحضان البديل الإيرانى والتركى، الأمر الذى ربما يجعل تكلفة الإقتراض فى المنطقة كلها أكبر نظراً لانعكاسه بشكل مباشر على حجم المخاطر، ومن ثم التصنيف الائتمانى للدول، علماً بأن موديز كانت قد خفضت التصنيف الائتمانى لقطر مؤخراً وألمحت إلى احتمال تخفيض جديد فى أعقاب المقاطعة. هذا التهديد لن تسلم منه السعودية أو أى من دول الخليج لو تطورت الأوضاع إلى الأسوأ.
موقف العمالة المصرية والتى بلغت فى تقديرات رسمية ما يقترب من 300 ألف عامل، سيكون مرهوناً برشادة القرار القطرى، وبطول وعمق فترة الخلاف، ومرهون بمدى قدرة إحلال العمالة الآسيوية محل العامل المصرى، وباحتمال استغلال النظام القطرى للأزمة لمحاولة استمالة المصريين سياسياً واستغلال الكتلة الكبيرة غير المسيسة استغلالاً يساعد فى توسيع جديد لهوة الخلاف.
المبادرة الكويتية لاحتواء الأزمة ربما تسفر عن حل سريع قد لا تدركه هذه السطور لفرط سرعته، لكنها قد تصطدم بأجندة قطرية رعناء تدعم الفوضى وتنفخ فى حالة عدم الاستقرار الإقليمى بأدوات مشبوهة.
د/ مدحت نافع
خبير الاقتصاد والتمويل وإدارة المخاطر

لمتابعة الاخبار اولا بأول اضغط للاشتراك فى النسخة الورقية او الالكترونية من جريدة البورصة


804.64 0.99%   7.89
16473.25 %   215.59
16348.55 1.06%   172.14
2062.11 1.36%   27.59

نرشح لك


https://alborsanews.com/2017/06/08/1030493