محمد خضير يكتب: الإنتاج والاستثمار جناحا التنمية فى الفترة المقبلة


مرت مصر بسنوات عصيبة على المستويين الاقتصادى والسياسى، خلال العقد الأخير، لكن ذلك ليس غريباً على هذا الوطن العريق.

والشاهد باستقراء التاريخ بنظرة مجردة أن سنوات الرخاء الاقتصادى كانت تلك الفترات التى وظفت مصر إمكانياتها الاقتصادية نحو الإنتاج، وحتى حينما زاد الدين الخارجى، فإنه كان موجهاً لرفع الكفاءة الإنتاجية، وهيكلة الاقتصاد على نحو صحيح.

فى تقديرى المتواضع، إن الاقتصاد المصرى، خلال العقود الأربعة الأخيرة، لم يشهد ما شهده خلال السنوات الخمس الماضية من مرحلة تنمية مستدامة حقيقية توظف التنمية العمرانية والاستثمار فى البنية التحتية لتهيئة مناخ استثمارى جاذب موجه صوب الإنتاج لتعظيمه (مصحوباً بإصلاحات هيكلية حقيقية شملت البدء فى إصلاح منظومة الدعـم – تحرير سعر الصرف – برنامج الرعاية الاجتماعية والإصلاحات التشريعية المصاحبة مع الإعلان عن خطة إصلاح الجهاز الإدارى للدولة).

هذا التوجه هو توجه سليم فى ظل العولمة المتأرجحة والتحديات الاقتصادية العالمية بجانب التحديات السياسية المحيطة بالمشهد الإقليمى التى لا يمكن إغفالها عند صياغة رؤية اقتصادنا الوطنى.

وبعبارة موجزة، فإنَّ مصر لن تستطيع أن تحقق رخاءً إلا بزيادة الإنتاج، وتحقيق قدر من الاكتفاء الذاتى من السلع الأساسية والضرورية مع تقليل حجم الواردات وزيادة الصادرات (واللذين يتطلبان بدورهما أيضاً زيادة غير مسبوقة فى الإنتاج مع السيطرة على الزيادة السكانية ما أمكن).

ولعل ما تقدم هو ما يستمع له السادة المواطنون بصيغة أو بأخرى على الفضائيات ومن بعض الخبراء، فلا أعتقد أن أحداً يختلف على أن زيادة الإنتاج لرفع الصادرات وتقليل الواردات وزيادة فرص العمل هى المستهدف، ولكن ما يختلف عليه الخبراء هو آليات تحقيق ذلك.

ومن هنا يتساءل بعض المواطنين تساؤلات مشروعة فى هذا السياق عن جدوى المشروعات القومية – غير المسبوقة فى الحجم وسرعة الإنجاز – التى تمت وتتم خلال الفترة الحالية، (ما العائد علينا؟) والإجابة عن هذا السؤال تؤكد عليه القيادة السياسية والمسئولون، ولعله من الجدير بنا أن نحاول إيجازها هنا.

الإجابة عن هذا السؤال بإيجاز تتمثل فى «الاستثمار» المؤدى لفرص عمل وإنتاج تنافسى يحقق فرص دخل لكتل متنوعة من المصريين، ويسهم فى تقليل الأسعار من خلال التنافسية المرجوة للسوق، والتقليل من الممارسات الاحتكارية، وتقليل الفجوة بين المطلوب والمعروض فى السوق المصرى، تلك الفجوة الناشئة عن العزوف الاختيارى لبعض المستثمرين عن مشروعات بعينها لأسباب متنوعة أو اكتفاء بعضهم بما حققه من أرباح فى الماضى وما يحققه الآن.

كل ذلك يواجه عجز موازنة الدولة، ما يتيح فرصاً كبرى لدعم محدودى الدخل والسير فى طريق رخاء اقتصادى متدرج.

إضافة إلى ذلك، فإنَّ الدولة بمؤسساتها المختلفة، وعلى رأسها القوات المسلحة، تشارك فى السوق للمساهمة فى سد تلك الفجوة وتوفير السلع الضرورية كجزء من دورها الوطنى فى حماية الأمن القومى والذى يشكل الاقتصاد القومى إحدى ركائزه خاصة فى الظروف الحالية، كما أنها تقوم ببدء المشروعات التى يعزف عنها القطاع الخاص الذى يهدف إلى الربحية المباشرة، فمشاركة الدولة تهيئ فرصاً كبرى للقطاع الخاص؛ حيث إنَّ إنشاء مرافق مدينة من المدن يهيئ فرص إنشاء المصانع بها والتى من المفترض أن يقوم القطاع الخاص بها.

والشاهد من واقع الأرقام المعلنة، أن حجم التنمية العمرانية فاق التوقعات خلال فترة قيادة الرئيس السيسى، فقد رصدت الدولة ما يزيد على 800 مليار جنيه لمشروعات الإسكان والتنمية العمرانية حتى عام 2020 وأكثر من ألف مشروع تم استكماله و20 مدينة جديدة على مستوى الجمهورية جارٍ تنميتها.

والتنمية العمرانية على هذا النحو ليست ترفاً بل هى ضرورة من ضرورات الأمن القومى كعنصر من عناصر التنمية المهمة، ولكى نخرج من الوادى إلى جميع أنحاء مصر الرحبة.

ودعونا نضرب مثالاً توضيحياً من منظور آخر للسادة القراء، فالعاصمة الإدارية على سبيل المثال (وأعلى برج بها) ضرورة بما تُتيحه من فرص استثمار وفرص عمل غير مسبوقة وحلحلة أزمة تكدس القاهرة الكبرى.

ومن جانب آخر، فإن مشاريع الاستزراع السمكى والمشروعات الزراعية والصناعية الكبرى التى شهدتها مصر كلها تخدم الغرض الأسمى وهو القفز بالاقتصاد المصرى نحو آفاق أرحب من الإنتاجية من خلال فرص استثمارية متنوعة صناعية، عقارية، زراعية أو سياحية منتشرة فى شتى بقاع مصر (هكذا يعاد تشكيل هيكل الاقتصاد الإنتاجى من خلال العمران الذى يتاح معه الفرص الإنتاجية الجديدة وكذلك آفاق أرحب للتجمعات العمرانية).

ومما هو جدير بالذكر فى هذا الصدد، أن التنمية العمرانية وتكوين بيئة حضارية جديدة يتعين أن تصاحبه مظاهر جمالية واجتماعية تَعى دروس الماضى، فوجود أكبر مسجد وكنيسة يعكس الوعى بالتحديات الاجتماعية وإرث الماضى، كما أنه يليق بمصر الجديدة التى نتطلع لها بأن نقدم نموذجاً حضارياً فريداً كما كنا دائماً، فهذا البعد هو ما يعكس رؤية الضمير الجمعى لشعب مصر العظيم.

ونرى أن الرؤية السابقة للتنمية فى حقيقة الأمر هى رؤية معلنة للقيادة السياسية منذ عام 2014 حين استعرض المرشح الرئاسى المشير السيسى (آنذاك) فرص النمو العمرانى والحضرى لمصر نحو آفاق أرحب بمد الظهير العمرانى الموازى للمحافظات، وجاء شرحه على الخريطة بأحد البرامج الفضائية.

لذلك فالاستثمار بمفهومه هذا تنوع وتمثل فى المشروعات القومية التى تقوم بها أو تديرها الدولة بالشراكة مع القطاع الخاص، وأيضاً بتهيئة المناخ والفرص المواتية للقطاع الخاص للاستثمار المباشر والمنفرد.

وقد ذهب البعض إلى تسمية الاستثمار الذى تقوم به الدولة «الاستثمار فى الحجر»، ومع اختلافنا مع هذه التسمية المنقوصة وأياً كان المسمى، فالاستثمار على هذا النحو هو ضرورة قومية لتحقيق الاستثمار الحقيقى والمستدام فى البشر.

فلن نستطيع أن نرفع كفاءة التعليم بغير أبنية تعليمية حديثة مهما عالجنا مشكلات أجور المعلمين وتعديل المناهج، ولا استثمار فى صحة الإنسان المصرى بدون مستشفيات متطورة بجانب الاستثمار البشرى اللازم والمصاحب، وهو ما يستغرق وقتاً أطول لما يحتاجه ذلك من موارد مستدامة وتغيير ثقافات وتدريب. ومع كل ما تقدم، تظل أمامنا تحديات عظيمة فى مسارنا الاقتصادى الطموح وتشمل بإيجاز:

زيادة معدلات النمو الإنتاجى بمعدلات أقوى وغير مسبوقة، الإصلاح الإدارى والاستمرار بكل القوة الممكنة فى مكافحة الفساد المالى وكذلك الفساد الإدارى لمعالجة أوجه القصور فى الجهاز الإدارى للدولة، زيادة موارد الدولة وإدارة دينها الخارجى بمنتهى الحرص، وهى كلها أمور نثق بأن الحكومة واعية بها كل الوعى وتقوم على التصدى لها بكل السبل.

لذا فأين تكمن المعضلة الحقيقية؟

فى تقديرى المتواضع أن أغلب الإصلاحات الهيكلية الكلية تمت وبدأنا فى جنى ثمارها.

ونرى ذلك بوضوح فى القطاعات الحيوية، فعلى سبيل المثال تجربتنا فى مجال الطاقة سيتوقف المحللون عندها كثيراً عند دراسة قصص التنمية المبهرة؛ حيث حققنا درجة من درجات الاكتفاء الذاتى فى فترة وجيزة بما يشبه المعجزة التى يتعين علينا جميعاً أن نفخر بها، وكذلك الحال فى ملف السياسة النقدية للدولة.

وتظل المشكلة الحقيقية فى المستوى الأدنى لتحقيق التناغم بين الجهات المسئولة عن الاستثمار والإنتاج، والتى بالمناسبة ليست وزارة الاستثمار وحدها.

فيجب دفع عجلة الإنتاج والاستثمار على هذا المستوى بنسب أكبر من خلال تحديث آليات العمل المشتركة بين تلك الجهات وتفعيل الأدوات التشريعية التى تتيح فرصاً حقيقية لتحقيق طفرة فى جذب المزيد من الاستثمارات وتعظيم الإنتاج الوطنى أكثر وأكثر.

فالبنية التشريعية الآن مهيأة أكثر من ذى قبل، لكن ما نحتاجه هو دفع عملية الإصلاح الإدارى وتناغم العمل فى هذا الاتجاه بقوة أكبر.

ذلك كله فى ظل تحديات عالمية ضخمة ونسب استثمار أجنبى أقل، فلذلك تكون المهمة أكثر دقة علينا لكننا قادرون على ذلك، فمصر التى تصدت لتحديات الأعوام الماضية لن يعجزها البناء على ما تقدم ودفع معدلات الاستثمار فالإنتاج بنسب أكبر.. ودعونا نضرب مثالين عمليين عن كيفية التصدى لبعض ما تقدم؛ الأول عن كيفية الترويج للاستثمار، والثانى عن تفعيل الأدوات التشريعية المستحدثة بصورة أكثر فاعلية.

فالترويج للاستثمار من ناحية يجب أن يكون مخططاً له باحترافية بحيث نعرض الفرص الاستثمارية المناسبة على مستثمرين مستهدفين مسبقاً.

ولعل زيارة رئيس الوزراء والوفد المرافق له الأخيرة لألمانيا كانت نموذجاً لتحديث سبل الترويج للاستثمار.

ومن جانب آخر، فقانون الاستثمار الحالى يتيح آليات لتفعيل صورة من صور التناغم بين الجهات وتيسير ترخيص المشروعات الاستراتيجية، وكلها أدوات تشريعية مستحدثة ومتاحة يمكن اغتنامها لدفع آليات تيسير إجراءات الاستثمار فى مصر. ما تقدم هو نبذة عما نراه عن وضعنا الاقتصادى المبشر الذى يقف الشعب وراء قيادته السياسية بتصميم وإرادة لا تلين لقهر التحديات التى تواجهنا، مهما تكالبت حوله الهمم الضعيفة أو المريضة أو من يريدون شراً لهذا الوطن أو من يغردون عن أضغاث أحلام لا تسمن ولا تغنى من جوع.

أما عن الفرص الاستثمارية الممكنة من زيادة الإنتاج فهى لا حصر لها فى كل مجال وفى أغلب بقاع مصر وفق الضوابط التشريعية المستحدثة، وهذا كله نتاج سنوات الفرص المهدرة الذى أتاح لنا فرصاً غير محدودة الآن، وعلينا فوراً إدارتها بمعدلات تتماشى مع حجم الإنجاز على مستوى الاقتصاد الكلى لنستمر فى جنى ثمار كفاح هذا الشعب العظيم.

مصر اليوم وغداً أفضل بالعمل والعزيمة التى لا تلين.

محمد خضير- الشريك بالتميمى ورئيس هيئة الاستثمار الأسبق.

مواضيع: الاستثمار

منطقة إعلانية

نرشح لك


https://alborsanews.com/2019/09/08/1241762