تحتفل هيئة الرقابة المالية اليوم بمرور 10 سنوات على تأسيسها لتصبح المظلة التنظيمية والرقابية للأسواق المالية غير المصرفية فى سياق رؤية طموحة أنذاك للدكتور محمود محيى الدين لإعادة صياغة دور التمويل غير المعرفى فى تمويل الأسواق وتكامل الأدوات المالية فيما بينها، ويشارك د. محمود محيى الدين فى احتفالية الهيئة التى قامت على دمج 3 هيئات هى سوق المال والتمويل العقارى والتأمين وهى المفاجأة التى حملها مانشيت العدد الأول لجريدة البورصة فى مايو 2008.
ونشأت فكرة توحيد الجهات الرقابية لأسواق المال غير المصرفية منذ تولى د. يوسف بطرس غالى وزارة الاقتصاد، إلا أنها لم تجد تصدراً عملياً لتنفيذها اتساقاً مع الأسواق العالمية، خاصة السوق الانجليزى إلى كان نموذجاً للفصل بين الرقابة والتنظيم ما فى ذلك حتى الرقابة على البنوك قبل تغيير منهجية عمل هيئة.
وقادت هيئة سوق المال باعتبارها الأكثر تنظيماً وتطوراً خلال عملية دراسية فى مقترحات تطوير إدارة منظومة الأسواق المالية غير المصرفية وكان المقترح الأول بشأن إدارة هيئة سوق المال ذاتها من مجلس من المفوضين يضم عدداً من الخبراء المتفرغين يتناسب مع الدور المتنامى للهيئة.
ولم تكن عملية الدمج بشكلها الحالى مطروحة فى البداية إذا اقتصرت الطموحات على إنشاء مجلس تنسيقى يضم رؤساء الهيئات لتنسيق السياسات وتحقيق التكامل بين الأدوات والمنتجات بالسوق، إلا أنه مع تولى محمود محيى الدين وزارة الاستثمار إنحاز إلى دمج كامل للهيئات فى هيئة واحدة ذات تقسيم وظيفى موحد وليس مجرد تجميع بتعين الهيئات لكيان واحد، وساهمت مجموعة كبيرة من الخبرات فى صياغة رؤية وقرار تأسيس هيئة الرقابة المالية منهم عبدالحميد إبراهيم مستشار وزير الاستثمار أنذاك والدكتور أحمد سعد آخر رئيس لهيئة سوق المال، والذى استمر مشرفاً على سوق المال من ظلال عمله مستشاراً مع أول رئيس لهيئة الرقابة المالية د. زيادة بهاد الدين وضمت القائمة أيضاً د. خالد سرى صيام وماجد شوقى رئيس البورصة انذاك والمستشار محمد الدكرورى.
ورغم ما تشهده الأسواق المالية غير المصرفية من نمو فى عدد المؤسسات والشركات التى تدخل السوق بشكل قوى والادوات الجديدة التى تطرحها، خاصة فى مجالات التمويل غير المصرفى كالتأجير التمويلى والتمويل الاستهلاكى ومناهى الصغر والتأمين والوساطة التأمينية وغيرها، إلا أن هناك قطاعاً كبيراً من العاملين فى سوق رأس المال لديه تقييم غير إيجابى لتأثير الدمج على تطور سوق رأس المال خلال السنوات الأخيرة.

د. محمود محيى الدين حول مشروع الدمج من مجلس تنسيقى لهيئة موحدة
ومع مرور 10 سنوات على تأسيس الهيئة فإن مؤشرات أداء البورصة وسوق رأس المال تحتاج إلى مراجعة عاجلة فمن غير الطبيعى أن ينحصر عدد المستثمرين النشطين فى التداول اليومى لأقل من 80 ألف شخص وذلك بحساب كل من أجرى عملية واحدة خلال العام مستثمرا نشيطا وبالطبع سينخفض العدد بشكل مخيف مع تغيير طريقة الحسابة وهو ما يكشفه متوسط التداول اليومى فى السوق الذى لا يتجاوز دولار.
ويمثل عدد الشركات الجديدة التى تنضم للسوق سنوياً مؤشراً على الفجوة بين الجهات التى تدير منظومة رأس المال وقطاعات الأعمال المختلفة فعام 2019 لم يشهد سوى طرحين هما فورى وراميدا مؤخراً، ومازالت حجم تعاملات الأجانب لا تناسب مع حجم البورصة المصرية والتطورات التى يشهدها الاقتصاد المصرى من إصلاحات ومعدلات نمو وشهادات من مختلف المؤسسات الدولية فلماذا لا ينعكس ذلك على سوق رأس المال المصرى والبورصة المصرية ومؤشراتها التى باتت «تعيسة» فى أفضل توصيف لها، وتتبناه القيادة السياسية لمستقبل سوق رأس المال؟
وبجانب المؤشرات أداء السوق لابد أن يكون هناك حسم لأحد أهم المشاكل التى تواجه السوق وهى أن استقلالية الرقيب ودوره الرقابى الذى لن يرضى عنه الجميع بكل تأكيد لا ينبغى أن يتحول إلى سيف مسلط وعلاقة متوترة مع أطراف السوق لأن ذلك يؤثر على «الثقة» لدى من يخلقون السوق لاسوق بدون شركات ومتعاملين حتى لو أننا نملك أقوى رقيب عالمى ولأسواق يضمن الحقوق بدون رقيب قوى، ولكن التوازن بين الأدوار والأطراف وبناء الثقة هو المسار الوحيد الصحيح لتقديم الأسواق.
وعلى مدار سنوات طويلة نشأت خلافات بين المؤسسات والجهات الرقابية، ولكن ما لم نشهده هو لغة التحدى بين الأطراف وامتدت إلى التشهير وتصيد الأخطاء وهو مناخ لابد أن ينتهى وأن تتبنى الجهات التنظيمية منهجا أكثر مرونة فى التعامل مع الأزمات التى تمر بها الشركات والمديرين بها فهناك القانون وأيضاً روح القانون مهمة لاستمرار التعامل بثقة بدلاً من الخوف.

ومن المراجعات الضرورية فى هذا الشأن أهمية النظر فى تعديل نظام التظلم من قرارات الرقابة المالية وإجراءات التصالح فى القضايا وأن تكون هى جهة توجيه الاتهام أما لجنة التظلم فلا تكون لها أى سلطة تنظيمية فى عملها وكذلك الغرامات التى يتم تحصيلها فى حالة التصالح لا يجب أن تذهب لميزانية هيئة الرقابة المالية، لأن ذلك يحمل تعارضاً فى المصالح لا يجب استمراره.
وتظل بورصة النيل فرصة تمويلية للشركات الصغيرة معطلة لأننا لا نتحرك صوب المشاكل الحقيقية ونعمل على حلها فأصبحت بورصة النيل شبه معطلة لا تستقبل سوى شركة أو أكثر كل عدة سنوات.
ومن المفاجأت أن عدد من يملكون محفظة الادوات المالية المصرية دون مستوى الـ500 ألف مستثمر ألا يستحق ذلك المناقشة والدراسة كيف نبنى سوقاً يلبى طموحات بلد بحجم مصر بهذه المؤشرات رغم اهتمام القيادة السياسية وكل ما هو اقتصادى ومالى وتوجيهه مؤخراً بطرح شركات جانب من شركات القوات المسلحة بالبورصة.
ظل السوق السعودى الأكبر حجماً فى المنطقة لسنوات طويلة ولكن تميز السوق المصرى بالتنظيم الأكثر تطوراً وانفتاحاً على العالم حتى بدأت قصة طرح أرامكو لتعيد تغيير بخريطة لصالح السوق السعودى الذى نجحت قيادته السياسية فى تصدير قصة للعالم، فماذا نفعل نحن وهل لدى الجهات التنظيمية تصور، رغم كل ما يقال عن المشروعات الصغيرة ومدى تمويلها من الجهاز المصرفى واهتمام الدولة بها؟
الخلاصة.. سوق رأس المال يحتاج إلى رؤية بمشاركة القطاع الخاص والحكومى وتغيير فى طبيعة العلاقة بين الرقيب وأعضاء السوق ونمواً حقيقياً فى مؤشرات أداء السوق تحقيق مكاسب للجميع.
بقلم: حسين عبدربه
رئيس تحرير جريدة البورصة
[email protected]